الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

304

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

على ما قررناه من مغايرة حقيقة الطلب الحاصل بالصيغة لإرادة الفعل على الوجه المفروض سوى المدقق المحشي بإقامته أشار إلى ذلك في بحث مقدمة الواجب قال إن العلم بعدم الصدور أو امتناعه لا يستلزم القبح لإرادة وجود الفعل وطلبه وقصد تحصيله إذ بعد العلم بعدم الوقوع قطعا لا يجوز من العاقل أن يكون بصدد حصول ذلك الشيء ويقضي العقل بأن الغرض من الفعل الاختياري يجب أن يكون محتمل الوقوع وإن لم يجب أن يكون مظنونه ومعلومه وقد تقرر أن الغرض من التكليف ليس ذلك بل للابتلاء لا بمعنى تحصيل العلم بما لم يكن معلوما بل بمعنى إظهار ما لم يكن ظاهرا انتهى وهو كما ترى صريح فيما قررناه إلا أنه مخالف لظاهر ما اختاره إشارة الأصحاب من اتحاد الطلب والإرادة ويمكن تنزيل كلامهم على اتحاد الطلب والإرادة التشريعية وهي ما ذكرنا من الإرادة الفعلية الإنشائية المعبر عنه بالاقتضاء والاستدعاء دون الإرادة النفسية المتعلقة بحصول الفعل من المكلف حسب ما مر تفصيل القول فيه وما ذكره من الوجه في خلو الأمر عن الإرادة المذكورة مذكور في كلام الأشاعرة وقد مر بيانه مفصلا في محله إذا تقرر ذلك فنقول إن ما قد يتخيل من الوجه في امتناع الأمر بالفعل على عدم الأمر بامتناعه أمور أحدها استحالة تعلق الإرادة بالمحال لبعد علم الآمر بانتفاء الشرط لا يتعقل معه إرادة الفعل ويدفعه ما عرفت من أن المستحيل إنما هو إرادة الفعل في النفس وترجيحه على الترك دون الإرادة الفعلية الإنشائية الحاصلة بإنشاء الصيغة وقد عرفت الفرق بين الأمرين وأن مفاد الأمر والتكليف هو الثاني دون الأول ثانيها حكم الفعل بقبح طلب المحال وإلزام المكلف بما يستحيل صدوره منه ثالثها خلو الطلب المفروض عن الفائدة فلا يعقل صدوره عن الحكيم ويدفعهما أن ما ذكر إنما يتم لو قلنا بالجواز مع علم المأمور بالحال وأما مع جهله وإمكان الفعل في نظره فلا وجه لتقبيح العقل للطلب المفروض ولا لعدم ترتب مصلحة عليه لوضوح أن الطلب كما يحسن لمصالح حاصلة في الفعل المطلوب كذا يحسن لمصالح مرتبة على نفس الطلب مع حصولها وما يقال حينئذ من خروج ذلك عن محل البحث لخروج الأمر حينئذ عن حقيقته وكونه أمرا صوريا محضا مدفوع بما عرفت من أن حقيقة الطلب لا يزيد على ذلك وهي حاصلة بالأوامر الامتحانية قطعا غاية الأمر خلوها عن الإرادة بالوجه الآخر وقد عرفت أنها خارجة عن مفاد الأمر لا ربط لها بحقيقة مدلول الصيغة فاتضح بذلك أنه لا محذور في الأمر بالفعل مع علم الآمر بانتفاء شرطه وما غري إلى الأصحاب من المنع مبني على ما ذكر وقد ظهر مما قررنا مفاد معناه فاتجه القول بالجواز وليس فيه مخالفة لإجماع الأصحاب إذ لا يظهر منهم انعقاد إجماع منهم عليه ولا وفقنا على ادعاء الإجماع عليه وقد ذهب المفيد إلى جواز نسخ الفعل قبل حضور وقته وهو من جملة جزئيات هذه المسألة فإنه إذا أمر بالشيء ثم نسخه قبل حضور وقته وكان أمرا بالشيء مع علمه بانتفاء شرطه الذي هو عدم النسخ وحيث إن المعروف عندنا القول بالمنع في المقام فالمعروف هناك القول بالمنع أيضا فالمتجه عندنا الجواز في المقامين ومن الغريب أن بعض الأفاضل مع قطعه في المسألة بالمنع أجاب عما احتجوا به من أمر إبراهيم بذبح ولده حسب ما يأتي أنه يمكن أن يقول ذلك من قبيل نسخ الفعل قبل حضور وقته مع ذلك أيضا عين مقصود المستدل من وقوع الأمر على النحو المفروض وأما المسألة الثانية فقد اختلفوا بها أيضا بل قرر السيد النزاع في المسألة لذلك بخصوصه واستحسنه المصنف وقد نص السيد بالمنع واختاره المصنف وربما يظهر ذلك من غيرهما أيضا وقد يستفاد ذلك من إطلاقهم المنع من الأمر بالشيء مع علم الأمر بانتفاء شرطه بناء على تعميم الأمر للتنجيزي والتعليقي ويبعده أن الأمر التعليقي لا يتعلق بالمكلف إلا بعد حصول ما علق عليه فلا أمر في الحقيقة قبل حصوله وأنت خبير بأن تخصيصه النزاع بالصورة المذكورة مخالف لظاهر كلمات القوم بل صريحها وما يقتضيه أدلتهم في المسألة حسب ما سيجيء الإشارة إليه فإن قضية كلماتهم وقوع النزاع في تعلق التكليف بالمكلف فعلا مع علم الآمر بانتفاء شرطه في المستقبل إلا أن يكون البحث في خصوص التكليف المعلق على الشرط كما ذكره السيد إذ غاية الأمر حينئذ قبح الاشتراط حسب ما طال القول فيه أو قبح إلقاء الخطاب المفروض وليس مناط البحث فيه حينئذ إمكان تعلق التكليف بالمكلف بحسب الواقع واشتغال ذمته بأداء الفعل مع علم الآمر بانتفاء شرطه وعدمه كما هو صريح كلماتهم وقضية أدلتهم والتفريع الذي فرعوه عليها وكأنه رحمه الله قرر النزاع فيما ذكره لوضوح فساد ذلك وكونه من قبيل التكليف بالمحال أو من جهة ظهور التدافع من حصول التكليف وفرض انتفاء شرطه فنزل الخلاف فيه على ما قرره وقد عرفت اندفاع الوجهين مضافا إلى أن ظهور وهن الخلاف في شيء لا يقتضي عدم كونه موردا للخلاف مع اشتهار المخالف وتنزيله الخلاف فيه على ما ذكره مما لا وجه بعد تصريحهم بخلافه وإن أمكن وقوع الخلاف فيه أيضا إلا أنه غير المسألة المفروضة بل أمكن إدراجه فيما عنونوه بناء على تعميم الأمر للمنجز والمعلق حسب ما أشرنا إليه وحينئذ فتخصيص النزاع به غير متجه وكيف كان فالظاهر أيضا جواز ذلك للأصل وانتفاء المانع وما يتخيل للمنع منه أمور منها أنه من التكليف بالمحال لتعلق الطلب بما علم الآمر استحالته ومنها لزوم الهذرية والخلو عن الفائدة لعلمه بعدم حصول المكلف به بل ارتفاع التكليف لانتفاء شرطه ومنها قبح الاشتراط من العالم بالعواقب إذ مقتضى الشك في حصول الشرط وعدمه علمه بالحال حسب ما أشار إليه السيد والكل مدفوع أما الأول فبما عرفت من عدم لزوم محذور من الجهة المذكورة مع تنجيز الأمر فكيف مع تعليقه على الشرط ومع الغض عن ذلك فإنما يلزم التكليف بالمحال لو كان هناك إطلاقا في التكليف وليس كذلك إذ المفروض تعليقه على شرط غير حاصل فهو في معنى عدم التكليف لقضاء انتفاء الشرط بانتفاء المشروط فهو نظير القضية الشرطية الصادقة مع كذب المقدمتين وأما الثاني فلأن فائدة صدور الأمر ليست منحصرة في الإتيان بالفعل لئلا يترتب عليه فائدة بعد العلم بفواته لانتفاء شرطه بل هناك فوائد أخر كما عرفت ذلك في المسألة السابقة وأما الثالث ففيه أولا المنع من دلالة الاشتراط على الشك بل مفاده انتفاء الحكم فيما علق عليه نعم قد يستفاد ذلك من بعض أدواته حسب ما ذكروه في التعليق الحاصل بأن كيف وإطلاق الأمر حينئذ قد يفيد خلاف المقصود لدلالته إذن على إطلاق الوجوب مع أن المفروض كونه مشروطا وثانيا أن أقصى ما يفيده تشكيك المخاطب وترديده بين حصول الشرط وعدمه أعم من إفادته شك المتكلم ولو سلم كونه حقيقة في الثاني فلا مانع من الخروج عنه بعد قيام الدليل